النويري

333

نهاية الأرب في فنون الأدب

الإنكار ، وأجاب عنه بأقبح جواب ، وردّه بأشنع ردّ . فكان مما حكى أنه قال للسلطان : أعلم أن مملوكك هذا الذي أشرت إليه ، لا يصلح للجندية ، وقد أمرّته وقدمته ، فصبر الناس لك على هذا . وجعلته نائب السلطنة ، ومشيّت الأمراء والجيوش في خدمته ، فأجابوا إلى ذلك ، طاعة لك ، وطلبا لرضاك ، مع ما تقدم من أيمانك عند السلطنة ، أنّك لا تقدم مماليكك على الأمراء ، ولا تمكنهم منهم . ثم لم تقنع له بما خوّلته فيه ، ومكنته منه ، ورفعته من قدره ، حتى نقصد أن تجعله سلطانا مثلك ، هذا لا يوافقك الناس عليه أبدا . وحذره من ذلك غاية التحذير ، ونهاه عنه ، وعن الحديث فيه مع غيره . ولعمرى لقد بالغ في النصحية « 1 » له . فأعلم السلطان منكوتمر ، بما دار بينه وبين الأمير بدر الدين بيسرى في أمره ، وبما أجاب به في معناه . فرأى منكوتمر أنه منعه ملكا عظيما ، وسلبه أمرا جسيما . وعلم أنه لا يتم له هذا الأمر ، الذي أشار به السلطان ، ولا يتمكن منه ، مع بقاء بيسرى وأمثاله من الأمراء . فشرع في التدبير عليهم ، وأغرى مخدومه بهم . وابتدأ بالتدبير على بيسرى . وعلم أنه إن ينقل « 2 » عنه أمرا ، ربما أن السلطان لا يتلقاه بقبول ، فأخذه من مأمنه . وتحيّل على أستاذ داره أرسلان ، حتى أنهى عنه ما أنهاه . ثم عضد ذلك بواقعة الدهليز ، فتحقق ما نقل عنه . ولما وقع ذلك ، أطلع عليه بعض الأمراء الأكابر ، فراسلوا الأمير بدر الدين بيسرى ، وأعلموه ، بما اطلعوا عليه وكان ممن راسله في ذلك ، الأمير سيف الدين طقجى الأشرفى وغيره من الأمراء ، وحذروه من السلطان ، وحلفوا له على الموافقة والمعاضدة . فلم يرجع إلى قولهم ، ولا أصغى

--> « 1 » يقابل ما ورد في المقريزي : السلوك ج 1 ، ص 833 . « 2 » في الأصل ، يقتل : وما هنا به يستقيم المعنى .